ناهد الجزائري
New member
عمتي ..
كانت أول من يحضر الأفراح والمناسبات في القرية ...تصل حتى قبل الأقرباء المقربين من أصحاب الدعوة...
تراها وقد تزينت بكل أنواع الزينة من رأسها الى قدميها ..تلبس أزهى الألوان ..تضع من المساحيق أكثرها بريقا ...ولا تنسى تلك الورود التي تزين بها شعرها..
تأتي من بعيد مهرولة وكأنها تريد اللحاق بأول مراسم الاحتفال...ثم تبدأ بالرقص والدبكة والزغاريد ولاتفوت فرصة لاظهار مهارتها برقصة معينة أو خفتها بالدبكة على طريقة أهل القرية...تصفق مع هذا وتمسك بيد تلك لتراقصها..
لا وربما قد تراها جالسة بجانب العروس تتأملها بين الحين والآخر وتبادلها بابتسامة كبيرة تعبيرا عن سعادتها... والناس يتهامسون ويضحكون ضحكات خافتة تجعلني أشعر بالخجل...
عمتي...في الخامسة والخمسين من عمرها.؟؟؟؟
العجوز المتصابية ...كما أراد أهل القرية تسميتها..وهي تعلم ولا تكترث بل تحاول إظهار زينتها أكثر ربما لتثبت العكس...
حتى أمي وأبي وأعمامي وعماتي كانوا يخجلون من تصرفاتها وربما تحدثوا معها يوما لتكون أكثر رزانة وهدوءا
لإمرأة بسنها ..ولكنها كانت تنفجر في وجوههم ..وتصفهم بالغيرة تارة وبالمبالغة تارة أخرى
وتختم بركانها بكلمة.. دعوني
وشأني ..لا دخل لكم بي...الآن أصبحتم تخافون علي..وتعود لبيتها باكية وهي تتمتم بكلام غير مفهوم؟؟؟ بالرغم من حبها للأعراس والسهرات..لم أرها يوما تجتمع مع عماتي الأخريات ونساء العائلة في سهراتنا ..وعندما كنت أسأل عنها يقولون بأنها تحب العزلة والهدوء.!!!غريب...كل هذا الصخب والمشاركة مع الآخرين..وتحب الهدوء؟؟؟!!وعندما كنت أسألهم لماذا لم تتزوج.؟؟كان الجميع يتهرب من الإجابة وعند إصراري يقولون جملتهم المعهودة..لم يأت نصيبها!!!
اضطررت مرة للمبيت عندها بعد أن تأخر الوقت ونحن في عرس ابنة عمي... وافقت ...وعندما كدت أن أغفو سمعت صوت حركة قادما من غرفتها وصوت بكاء مع شهيق هرعت الى غرفتها
فوجدتها تحتضن فستانا ابيضا قديما من الواضح أنه فستان زفافها...وقد ملأته بدموعها وسال الكحل عليه بمشهد حزين لم أتمالك نفسي ركضت وضممتها...عمتي مابك؟؟؟
أخبريني ..
لم تستطع إيقاف نوبة البكاء تلك إلا بعد توسلات مني فتمالكت نفسها ومسحت عينيها وتنهدت ونظرت الى وفي عينيها الف الف حكاية ووراء نظرتها رأيت ظلا لذكريات مخبأة منذ زمن بعيد ...نعم أنا هي العجوز المتصابية...أنا التي كنت في الخامسة عشرة عندما تقدم سعيد لخطبتي ...سعيد ابن جيراننا الذي كنت العب معه في الصغر وعندما أصبح شابا منعت من الكلام معه ..قالوا عيب لستما الآن صغيرين...
لم يغب عن خاطري وعقلي ابدا
كنت ألمحه وهو ذاهب الى عمله ويخطف مني نظرات هي عندي أغلى من الدنيا ومافيها ....وبعد أن علم عمي بخطبته لي ...طلبني لابنه فلم يملك والدي إلا الموافقة على ابن أخيه ...فهذا هو عرف القرية هذا قانون القهر والظلم لا يحق للفتاة أن تختار هذا أو ترفض ذاك...حاول بكل الوسائل أن يجعل والدي يوافق ولكن من يستطيع تخطي شرع العائلة!!!
لقد أحبني سعيد حبا صادقا
لم يستطع التحمل هاجر الى بلاد بعيدة وانقطعت أخباره..هاجر بعد أن أهداني خفية هذا الفستان وبعث الي..أن ارتديه إن استطعتي.. نسي القرية ونسيه أهل القرية ونسوا الظلم الذي أنزلوه عليه ...وبكيت عليه وذويت في عالمي لا أرى أحدا ولا أخالط أحد الى أن علم ابن عمي بحال وبحبي الباقي لسعيد فكره الزواج مني..وترك خطبتي؟؟؟
سكتت قليلا وتنهدت...آه....
ومر الزمان ومن سيخطب فتاة قلبها معلق برجل آخر...
لم أنتبه إلا و خصلات الشيب تملأ رأسي ومن في عمري أصبحت أما ومنهن من أصبحت جدة ...وأنا مازلت أنتظر كل يوم قطار الليل ليأخذني الى فتاة في الخامسة عشرة ترتدي فستانا أبيض وتجلس بجانب شاب وسيم يتبادلان ابتسامات خجولة وحولهم الأقارب يصفقون ويرقصون ...انظر معي ألا تراهم..انصت ألا تسمع صوت ضحكاتهم...إنه سعيد ..لقد جاء ليراني مازلت شابة انتظره...
أفقت من ذهولي لأرى عمتي قد غفت على وسادتها تركتها..
وخرجت وفي رأسي ألف سؤال ..لماذا لا يقصون علينا في القرية قصص الحب والوفاء.. لماذا أيتها القرية الظالمة..ربما يوجد الكثيرات مثل عمتي ونحن لا نعرفهم..
يالتلك الأعراف والقوانين الغبية البالية..
نمت وأنا أشعر بالسخط على كل شئ حولي ...
وفي الصباح أعلمت الجميع بأن عمتي..العجوز المتصابية..قد ماتت؟؟!!!
كانت أول من يحضر الأفراح والمناسبات في القرية ...تصل حتى قبل الأقرباء المقربين من أصحاب الدعوة...
تراها وقد تزينت بكل أنواع الزينة من رأسها الى قدميها ..تلبس أزهى الألوان ..تضع من المساحيق أكثرها بريقا ...ولا تنسى تلك الورود التي تزين بها شعرها..
تأتي من بعيد مهرولة وكأنها تريد اللحاق بأول مراسم الاحتفال...ثم تبدأ بالرقص والدبكة والزغاريد ولاتفوت فرصة لاظهار مهارتها برقصة معينة أو خفتها بالدبكة على طريقة أهل القرية...تصفق مع هذا وتمسك بيد تلك لتراقصها..
لا وربما قد تراها جالسة بجانب العروس تتأملها بين الحين والآخر وتبادلها بابتسامة كبيرة تعبيرا عن سعادتها... والناس يتهامسون ويضحكون ضحكات خافتة تجعلني أشعر بالخجل...
عمتي...في الخامسة والخمسين من عمرها.؟؟؟؟
العجوز المتصابية ...كما أراد أهل القرية تسميتها..وهي تعلم ولا تكترث بل تحاول إظهار زينتها أكثر ربما لتثبت العكس...
حتى أمي وأبي وأعمامي وعماتي كانوا يخجلون من تصرفاتها وربما تحدثوا معها يوما لتكون أكثر رزانة وهدوءا
لإمرأة بسنها ..ولكنها كانت تنفجر في وجوههم ..وتصفهم بالغيرة تارة وبالمبالغة تارة أخرى
وتختم بركانها بكلمة.. دعوني
وشأني ..لا دخل لكم بي...الآن أصبحتم تخافون علي..وتعود لبيتها باكية وهي تتمتم بكلام غير مفهوم؟؟؟ بالرغم من حبها للأعراس والسهرات..لم أرها يوما تجتمع مع عماتي الأخريات ونساء العائلة في سهراتنا ..وعندما كنت أسأل عنها يقولون بأنها تحب العزلة والهدوء.!!!غريب...كل هذا الصخب والمشاركة مع الآخرين..وتحب الهدوء؟؟؟!!وعندما كنت أسألهم لماذا لم تتزوج.؟؟كان الجميع يتهرب من الإجابة وعند إصراري يقولون جملتهم المعهودة..لم يأت نصيبها!!!
اضطررت مرة للمبيت عندها بعد أن تأخر الوقت ونحن في عرس ابنة عمي... وافقت ...وعندما كدت أن أغفو سمعت صوت حركة قادما من غرفتها وصوت بكاء مع شهيق هرعت الى غرفتها
فوجدتها تحتضن فستانا ابيضا قديما من الواضح أنه فستان زفافها...وقد ملأته بدموعها وسال الكحل عليه بمشهد حزين لم أتمالك نفسي ركضت وضممتها...عمتي مابك؟؟؟
أخبريني ..
لم تستطع إيقاف نوبة البكاء تلك إلا بعد توسلات مني فتمالكت نفسها ومسحت عينيها وتنهدت ونظرت الى وفي عينيها الف الف حكاية ووراء نظرتها رأيت ظلا لذكريات مخبأة منذ زمن بعيد ...نعم أنا هي العجوز المتصابية...أنا التي كنت في الخامسة عشرة عندما تقدم سعيد لخطبتي ...سعيد ابن جيراننا الذي كنت العب معه في الصغر وعندما أصبح شابا منعت من الكلام معه ..قالوا عيب لستما الآن صغيرين...
لم يغب عن خاطري وعقلي ابدا
كنت ألمحه وهو ذاهب الى عمله ويخطف مني نظرات هي عندي أغلى من الدنيا ومافيها ....وبعد أن علم عمي بخطبته لي ...طلبني لابنه فلم يملك والدي إلا الموافقة على ابن أخيه ...فهذا هو عرف القرية هذا قانون القهر والظلم لا يحق للفتاة أن تختار هذا أو ترفض ذاك...حاول بكل الوسائل أن يجعل والدي يوافق ولكن من يستطيع تخطي شرع العائلة!!!
لقد أحبني سعيد حبا صادقا
لم يستطع التحمل هاجر الى بلاد بعيدة وانقطعت أخباره..هاجر بعد أن أهداني خفية هذا الفستان وبعث الي..أن ارتديه إن استطعتي.. نسي القرية ونسيه أهل القرية ونسوا الظلم الذي أنزلوه عليه ...وبكيت عليه وذويت في عالمي لا أرى أحدا ولا أخالط أحد الى أن علم ابن عمي بحال وبحبي الباقي لسعيد فكره الزواج مني..وترك خطبتي؟؟؟
سكتت قليلا وتنهدت...آه....
ومر الزمان ومن سيخطب فتاة قلبها معلق برجل آخر...
لم أنتبه إلا و خصلات الشيب تملأ رأسي ومن في عمري أصبحت أما ومنهن من أصبحت جدة ...وأنا مازلت أنتظر كل يوم قطار الليل ليأخذني الى فتاة في الخامسة عشرة ترتدي فستانا أبيض وتجلس بجانب شاب وسيم يتبادلان ابتسامات خجولة وحولهم الأقارب يصفقون ويرقصون ...انظر معي ألا تراهم..انصت ألا تسمع صوت ضحكاتهم...إنه سعيد ..لقد جاء ليراني مازلت شابة انتظره...
أفقت من ذهولي لأرى عمتي قد غفت على وسادتها تركتها..
وخرجت وفي رأسي ألف سؤال ..لماذا لا يقصون علينا في القرية قصص الحب والوفاء.. لماذا أيتها القرية الظالمة..ربما يوجد الكثيرات مثل عمتي ونحن لا نعرفهم..
يالتلك الأعراف والقوانين الغبية البالية..
نمت وأنا أشعر بالسخط على كل شئ حولي ...
وفي الصباح أعلمت الجميع بأن عمتي..العجوز المتصابية..قد ماتت؟؟!!!